لهذه الأسباب يحتاج من يعانون من اضطرابات الأكل إلى دعمكم في شهر رمضان كل عام

اثنتان من مؤيدي النظرة الإيجابية للجسم تناقشان اضطرابات الأكل في العالم العربي

by

كتب شخص مجهول الهوية “في الواقع يساعدني الصوم على تنظيم اضطراب الأكل الذي أعاني منه، ولكن بالرغم من أنني أحب شهر رمضان ولن أتوقف عن الصيام أبداً، إلا أنني أعاني من عادات سيئة مثل الصوم دون تناول وجبة السحور، أو محاولة طرح أي كمية طعام أتناولها مهما كانت قليلة قبل بدء الصيام لأن التقيؤ المتعمد يفطر. كما أنني أتناول عند الإفطار كمية قليلة من الطعام ومن ثم أتخلص مما أكلت على الفور”.

باعتباري من جيل ‘Xennial’  الذي عاش طفولته بدون إنترنت وفترة رشده بوجود الإنترنت – بالإضافة لكوني نشأت مسلمةً، فإن هذا الاعتراف المجهول على موقع كورا كان له صدى كبيراً جداً لدي. لقد كنت طفلة مكتنزة ترعرت في دبي، وكان وزني الزائد عرضة للسخرية من قبل أعمامي وأبنائهم في كراتشي.

بالطبع، كل ذلك كان قبل أن أتّبع حميّة قاسية وأفقد 37 رطلاً من وزني في غضون أشهر قليلة. إلا أنّ علاقتي السامة بنظامي الغذائي لم تنتهِ أبداً، فعندما بدأت السنة الأولى في جامعة بوردو في عام 2001، أصبت بشره ممارسة الرياضة في محاولة لخسارة المزيد من الوزن.

ما هي وجبة الطعام المسائية المفضلة لدي؟ أحب تناول كيس كبير من الوجبات الخفيفة والشيبس بالإضافة إلى عدة شرائح من الخبز الأبيض الناعم المدهون بطبقة من النوتيلا، وبعد ذلك أقضي ساعات طويلة في الجري بلا هوادة حول الحرم الجامعي عندما لا يكون هناك أحد في الجوار.

لقد كنت محظوظة لأ وجود عدد كبير من الأصدقاء المقربين والدراسة الأكاديمي، والانتقال من السكن الجامعي إلى شقة خاصة بي كانت أمور ساهمت تدريجياً في كسر هذا النمط المدمر للذات، ولا أدري كيف كنت سأحاكم هذا الصرع مع نفسي لو كانت وسائل التواصل الاجتماعي موجودة في ذلك الوقت. هل كنت سأقع فريسة لأكاذيب الإنستاغرام أو كنت سأكتشف  النظرة الإيجابية للجسم التي تسرّع عملية الشفاء؟ بالتأكيد لم أكن وحدي في طرح هذا السؤال، فقد تحدّثت الناشطتان فاطمة مجدي وأماني اسيبي عن هذا الأمر.

ومع حلول شهر رمضان، تُصبح المحادثات حول اضطرابات الأكل وتقبّل شكل الجسم وحب الذات ضرورة ملحة أكثر من ذي قبل.

بالرغم من أنّه شهر الشفاء والعطاء، إلا أنّه قد يمثل تحدياً كبيراً للمسلمين الذين يعانون من اضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية العصبي والشره العصبي واضطراب نهم الطعام، أو orthorexia الأقل شهرة بينهم (وهو الهوس بتناول الطعام الصحي).

ومن الجدير بالذكر بأنّ الإحصاءات المحلية حول اضطرابات الطعام قليلة ومتباعدة. هناك إحصائية  تكشف عن وجود 70 مليون شخص في جميع أنحاء العالم يعانون من اضطرابات الأكل، ولكن كم عدد المقيمين منهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ لا أحد يعلم. في الواقع، لا يقتصر الأمر على اعتراف الخبراء في جمعية اضطرابات الأكل في الشرق الأوسط على وجود نقص في البيانات في الشرق الأوسط فحسب، بل يكشفون أيضاً بأن الأبحاث الأولية التي أُجريت في الإمارات تبين أن “الأرقام في الشرق الأوسط قد تكون ضعف تلك الموجودة في العالم الغربي”.

من المحتمل أن هذه التخمينات لها علاقة وثيقة بحقيقة أن اضطرابات الأكل واللجوء إلى جلسات العلاج النفسي هي نوع من المحرمات التي لا يمكن الحديث عنها، كما أنّ فاطمة وأماني توافقان هذا الرأي. بالرغم من أنّ هاتين السيدتين تنحدران من عالمين مختلفين تماماً، إلا أنّ كلاهما تدافعان بجرأة وقوة عن إيجابية الجسم بعد معاناة دامت لسنوات من سماع التعليقات المزعجة حول الوزن والمظهر.

فاطمة هي معلمة يوغا تبلغ من العمر 26 عاماً، وتمتلك استوديو وعلامة تجارية خاصة بها في البحرين، وقد سئمت من حقيقة أنّ الثقافة الصحيّة مقتصرة على النخبة فقط. في حين أنّ أماني البالغة من العمر 22 عاماً تقطن في دبي  وتُعرف بأنها أول عارضة أزياء ممتلئة في المنطقة، وغالباً ما تظهر في حملات العلامات التجارية المناهضة للتنمر. كما أنّ كلتا السيدتين مسلمتان وتتشاركان أفكارهما المتعلقة بموضوع البدانة واضطراب الأكل بالإضافة إلى الحديث عن قضايا الأجيال المختلفة والعوامل الثقافية والمحادثات الصادقة. لقد التقيت بهما للدردشة حول هذا الموضوع، وهذه ردودهما:

يمكننا القول بأن معظم النساء لديهن مشكلة مع الطعام، لذلك دعونا نتحدث عن تجاربكما مع اضطرابات الأكل – أو حتى الأكل المضطرب.

ف. مجدي: بالرغم من أنني لم أعانِ أبداً من اضطراب الأكل، إلا أنني كنت تحت وطأة الضغط – الذاتي ومن الآخرين حولي – من أجل اتباع حمية غذائية. بدأت تجربتي باتباع الحمية عندما كنت في الـ 13 من عمري، حيث رأيت والدتي تمر بنفس المشكلة، فقد كانت تكتسب وزناً زائداً ومن ثم تتبع حمية خاصة لإنقاص وزنها، وتعاود هذا العمل مراراً وتكراراً، مما دفعني لتغيير طريقتي في تناول الطعام لتصبح أكثر وعياً مع مرور الوقت.

أ. اسيبي: موضوع الطعام حساس بالنسبة لي، فقد عانيت حياة مرهقة للغاية، وقد كنت أخفف من توتري وتقلبات عواطفي من خلال تناول الطعام. بالرغم من أنني أتحدث إليكما الآن في هذه المقابلة لكنني باطنياً أفقد عقلي شيئاً فشيئاً.

أنتما تعملان في مجالات يُتوقع أن تبدو فيها النساء بمظهر معيّن، لكنكما ترفضان بجرأة وقوة الامتثال لهذه الصور النمطيّة. أخبرانا عن رحلتكما.

أ. اسيبي: لطالما كنت أقول بأنك لن تخسر أبداً – فإما أن تتعلم وإما أن تفوز – والدليل على ذلك أنّ تجاربي السلبية قد قادتني إلى ما أنا عليه اليوم. لو لم أتعرض للتنمر أو لم أواجه الشعور بعدم الأمان، ولو لم يؤمن الناس بي، ولولا الحياة القاسية والصعبة التي عانيت منها لما تمكنت من صقل شخصيتي وتحقيق ذاتي. إنّ صناعة الأزياء هي أكثر الصناعات سمّيةً وفساداً بشكل لا يوصف، لذا يحتاج الناس إلى فهم حقيقة أنّ الأمر لا يتعدى كونه عملية تسويق، وأنّ ما يرونه ليس الحقيقة.

ف. مجدي: خلال نشأتي، لم أفكر في ممارسة اليوغا إلى أن عشت في الهند لمدة عام، حيث أقنعتني زميلتي في الغرفة بحضور جلسة يوغا. ما زلت أتذكر كيف أنني لم أتقن ذلك، وكيف ذهبت إلى الحمّام مرتين لالتقاط أنفاسي. ولكن بعد ذلك أتقنت التأمل وفن الاتصال بجسدي، الأمر الذي منحني مشاعر قوية لا يمكن وصفها ودفعني للاستمرار في ممارسة هذه الرياضة. أتذكر أنني عندما عدت رأيت سيدتين طاعنتين في السن وليستا نحيلتين وهما تقومان بتمرين الوقوف على الكتفين. عندها أدركت أن جسدي يمكنه فعل ذلك حتى عندما أكبر في السن. لماذا لا يتم تسويق تلك الفكرة في كل مكان؟ لا أفهم لماذا صورة اليوغا مرتبطة بجسد نحيل يرتدي حمالة صدر رياضية. لم يكن لدي جسد مرن، لكنني تعلمت في النهاية ما يمكن لجسدي أن يفعله، لقد جعلتني اليوغا أحب جسدي.

يقول المسلمون الذين يعانون من اضطرابات الأكل بأن رمضان يمنحهم فرصة لتغطية اضطرابهم – فهم يصومون في محاولة لإنقاص الوزن، في حين أنّهم يصومون ظاهرياً من أجل الله. أتساءل عما إذا كان هذا التصرف يرافقه شعور بالارتياح أو الذنب؟ أو ربما كلاهما؟

ف. مجدي: بصراحة، في بعض مراحل حياتي كنت أشعر بالحماس الشديد حيال شهر رمضان لأنني ربطته بالصيام المتقطع. لقد كنت مندمجة بعمق في ثقافة النظام الغذائي، لذلك اعتقدت أن الصيام هو الوقت المثالي لفقدان الوزن حيث سأضطر إلى اتباع نظام غذائي خاص. لكن الآن، أجد أن الأمر كان مجرد هراء.

أ. اسيبي: أنا شخصياً لا أربط رمضان بالوزن والصحة والشعور بالذنب. بالنسبة لي، يتعلق الأمر بعلاقتي واتصالي بالله. إذا صمت، فأنا أفعل ذلك من أجل الله وليس لإزالة السموم من جسدي. بعض الناس يصومون لهذه الأسباب، إلا أنني لا أطلق الأحكام على الناس، لأنّ نيتهم هي شيء بينهم وبين الله فقط.

غالباً ما يتحدث الخبراء عن هذه الصورة النمطية القائلة بأن اضطرابات الأكل تؤثر فقط على النساء الشابات ذوات البشرة البيضاء. ما رأيكما؟

أ.اسيبي:  بصراحة لا أعرف إن كان عليّ أن أوافقهم الرأي. ربما نعرف أكثر عن هؤلاء النساء لأن الأبحاث تركز عليهن دوماً، لكن الأمر يتعلق أكثر بالشعور بعدم الأمان ونقص حب الذات الذي يمكن أن يحفز اضطرابات الأكل. أشعر بأن اضطرابات الأكل يمكن أن تؤثر على أي شخص لا يعرف قيمة جسده.

ف. مجدي: أعرف الكثير من النساء في العالم العربي ممن عانين اضطرابات الأكل بسبب ضغط المجتمع، لأنّه من الطبيعي في ثقافتنا أن يعلق الناس على مظهر الآخرين – خاصة الوزن الزائد. ولا يقتصر الأمر على النساء فقط، لأنني أعرف رجالاً خضعوا لعملية تكميم المعدة وعانوا من الاكتئاب قبل الجراحة وبعدها.

يبيح الإسلام للمرضى بما في ذلك من يعانون من اضطرابات الأكل عدم الصوم. لكن المسلمين يميلون إلى انتقاد الذين لا يصومون. ما رأيكما في هذه القضية؟

أ. اسيبي: لقد حان الوقت لكسر الصور النمطية التي يتطلع الناس إليها. وفي حالتي، تلك الصورة النمطية هي صورة عارضة الأزياء. يعتقد الجميع أن عرض الأزياء حكر على الأشخاص الذين يتمتعون بمظهر وطول وجنسية معينة – وهذا ما دفعني لأن أكون عارضة أزياء، إنني أسعى لكسر واحدة من أكبر الصور النمطية السائدة بطريقة مرئية غاية في السهولة، لأن الناس لن يشككوا فيما يرونه بأعينهم.

ف. مجدي: لقد تناولت هذا الموضوع مؤخراً على منصتي على الإنستاغرام، وقال العديد من متابعيّ إنهم يعانون من مشاكل جسدية بسبب آبائهم. ثم بدأ الآباء في إخباري كيف دفعوا أبناءهم لاتباع نظام غذائي والتساؤل عما إذا كانوا مخطئين في ذلك. نحن بحاجة إلى تثقيفهم حول كيفية تشجيع أطفالهم على أن يكونوا أكثر صحة، لأنّ ما يفعلونه الآن يحبط أبناءهم. يدرك الأشخاص أنّهم يعانون من الوزن الزائد بمجرد النظر إلى المرايا. لذا فهم لا ينتظرون من شخص يحترمونه أن يجذب لهم الشعور بالإحباط. يجب على الآباء التحدث عن الطعام باعتباره شيئاً جميلاً وليس وصمة عار. وبدلاً من إجبار أطفالهم على ممارسة الرياضة، يجب أن يكونوا قدوة يحتذى بها.

أخيراً، ما هي النصيحة التي يمكن أن تقدماها للشباب المسلم الذي يعاني في صمت؟

ف. مجدي: أقوم بتدريس أربعة أنواع من اليوغا، وأقترح دائماً أن يبدأ هؤلاء الأشخاص بممارسة يوغا نيدرا، وهي مجرد تأمل. هذا هو الإدراك والتواصل العاطفي مع كل جزء من أجسامهم قبل الانتقال إلى اليوغا التصالحية التي تساعد على استرخاء الجسم.

أ. اسيبي: أنصحهم بعدم الخوف من الحديث عما يعانوه. إذا كنت لا تريد التحدث إلى معالج نفسي يمكنك التحدث إلى صديقك المقرب أو والدتك أو أختك. وإذا كنت تعتقد أن طلب المساعدة علامة ضعف، فتحدث إلى نفسك ومع كلبك – فقط دع الكلمات تتدفق من جسدك.

شارك هذا المقال