تتذكر أمينة دبيش اللحظة التي أدركت فيها أنها بحاجة إلى الحفاظ على التراث الثقافي للشرق الأوسط. كانت جالسة بجانب المسبح في برنش أحد أيام الأحد بدبي، تتحدث مع شريكتها المستقبلية في العمل، نورة منصور. وخلال الحديث، أخبرتها منصور أنها تقوم بجرد أرشيف فني ضخم لأحد هواة جمع الأعمال الفنية اللبنانيين الذي يثق بها ثقةً كاملة. وكان رد فعل دبيش عفويًا: “يا إلهي، أريد أن أفعل ذلك أيضًا”. ومن تلك اللحظة المشرقة، وُلدت فكرة The Open Crate، وهي خدمة رقمية رائدة مخصصة لجمعيات الفن الفاخر وهواة جمع المقتنيات في الشرق الأوسط وخارجه.
تجمع The Open Crate بين الحلول التكنولوجية المتقدمة والإشراف البشري المتخصص، لتُمكن العملاء من إدارة مقتنياتهم بثقة تامة. تقول دبيش: “ما أنشأناه لا يوجد في أي مكان آخر. نحن نوفر حلاً تقنيًا يضع مجموعتك في جيبك عبر تطبيق، ولكن هناك أيضًا مختص حقيقي يساعدك، مثل رفيق فني مدعوم بالذكاء الاصطناعي، لكننا بشر حقيقيون”.
بالنسبة لدبيش، التي انتقلت من قطاع التمويل إلى الفن من خلال تجارب في دور المزادات المرموقة مثل كريستيز، فإن فن المنطقة شكَّل لها اكتشافًا شخصيًا. وتقول: “غالبًا ما تُصوِّر أوروبا العرب والمغاربيين بطريقة تقلل من شأنهم، وقد استقرت هذه النظرة في ذهني. لكن في دبي، وقعت في حب عروبتي من جديد، واكتشفت فنانات مثل الجزائرية باية، ممن سبقن نظراءهن الغربيين بجرأة وابتكار”.
أما منصور، فكانت لها مسيرة متوازية ولكن بتفاصيل مختلفة. عملت لسنوات في التمويل، بما في ذلك في PricewaterhouseCoopers (PWC)، وتكوّنت علاقتها بالفن من خلال تجارب شخصية وعائلية في باريس ولندن. تقول: “كنت أزور المتاحف والمعارض مع عمتي، وهناك أدركت أن هذا هو مكاني الحقيقي”. وحين عادت إلى دبي لتواجه أرشيفًا فنيًا فوضويًا لأحد العملاء، أدركت الحاجة إلى التوثيق المنهجي، مما زرع بذور فكرة The Open Crate.
ترى المؤسستان عملهما كأكثر من مجرد مشروع تجاري. تقول دبيش: “رأيت داعش تحرق الكتب وتدمر التراث في سوريا، وقد أثّر ذلك بي بعمق. حين تحدث إبادة أو تُنهب القطع الثقافية، لا أحد يعلم أين تنتهي. مهمتنا أن نضمن وجود وسيلة لتتبعها”.
في منطقة يشوب تاريخها الاستعماري التشظي، يصبح التحقق من مصدر المقتنيات مهمة أشبه بالتحقيق الصحفي. توضح منصور أن عملهن يتطلب فواتير، شهادات، توثيقًا أدبيًا، وسجلات معارض دقيقة لإعادة بناء تاريخ كل قطعة.
النظام الرقمي الذي طوَّرنه من الصفر، حرصًا على أمن البيانات، يمنح راحة بال لا توفرها الخدمات التقليدية. تقول منصور: “نحن نمتلك البيانات ونحميها. مع خدمات مثل دروب بوكس أو جي ميل، البيانات لا تكون لك فعليًا، وهذا غير مقبول بالنسبة لنا”.
في البداية، واجه الفريق ترددًا من بعض هواة الجمع الرافضين لرقمنة مجموعاتهم. لكن جائحة كوفيد-19 غيّرت المعادلة. أثناء الإغلاق، أدرك الكثيرون ضرورة الوصول الرقمي إلى ممتلكاتهم. إحدى القصص البارزة تعود لماها، وهي هاوية جمع فني في بيروت كانت مترددة بشأن الرقمنة. بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، والذي دمّر منزلها ومجموعتها، ساعدها توثيق The Open Crate في استرداد 90% من قيمتها المؤمَّنة.
لا تقتصر خدمات The Open Crate على الجرد الرقمي. بل تشمل أيضًا استشارات فنية وثقافية، تقارير تقييم، خدمات تأمين، وبيع وشراء القطع الفنية نيابة عن العملاء. تقول دبيش: “إذا أراد العميل بيع قطعة أو تأمين سيولة، نساعده سواء عبر البيع الخاص أو المزادات. ونوفر أيضًا أعمالًا فنية تتماشى مع ذوقه”.
اليوم، تقود دبيش ومنصور فريقًا صغيرًا من ست نساء عربيات. ويتجاوز طموحهما حدود العمل التجاري ليشمل تمكين وتدريب جيل جديد من خبيرات الفن في المنطقة. تقول دبيش: “لا يوجد تعليم رسمي لإدارة المجموعات الفنية في دول مثل السعودية أو تونس. نحن ملتزمات بتدريب المتدربات لدينا ليعرفن أبرز الفنانين إقليميًا وعالميًا”.
لكن رؤيتهما تتعدى التوثيق. تؤكد دبيش: “تفكيك مركزية الفن يبدأ من استعادة السرد والتحكم فيه. نحن نُعيد للعملاء امتلاك تاريخهم الثقافي، ونحوّلهم من موضوعات إلى فاعلين في السرد الثقافي العالمي”.
وبينما تخوضان مجالين يهيمن عليهما الرجال والغرب، تقول منصور: “كوننا نساء عربيات لم يكن عائقًا، بل كان قوتنا. منذ البداية، هدفنا هو خلق مساحة لم تكن موجودة وتحويلها إلى إنجاز”. وقد فعلتا ذلك بالفعل.
اقرأ أيضا
كيف أصبحت هدى مصطفى من Love Island USA أكثر شخصية فلسطينية تُتداول في برامج الواقع التلفزيونية؟
