عندما تصبح العناية الذاتيّة أمراً سامّاً

نقدّم لكم "That Girl"

by

خلال جائحة كورونا، ساهم الإنترنت في بقائنا متماسكين بتوفيّره لنا بعضاً من المتعة وجعلِنا أقل وحدة وذلك خلال فترة كانت مليئة بالتّحديات والصّعوبات. في حين كان العديد منّا ممّن أتعبتهم العزلة يكافحون من أجل إتمام مهام يوميّة بسيطة، قام آخرون باستغلال هذه الفترة من حياتهم لاكتشاف ذاتهم وتنميتها.

بينما كانوا يقرؤون كتب عن تطوير الذات ويتعلمون كيفية تطبيقها، كنت أتصفّح بخدر Tiktok ولم يسعني إلا مقارنة أيّامي البطيئة المؤلمة بنمط حياتهم وروتينهم الإنتاجي المذهل.

ما أدركه الآن، هو أنني كنت أشهد ولادة ظاهرة “تلك الفتاة” التي أصبحت الآن فئة قائمة بحد ذاتها من محتوى الإنترنت.  تختلف “تلك الفتاة” عن الأخريات بأنها إضافةً لحسن مظهرها وقدرتها على التواصل بشكل جيّد، فهي منتجة وفعالة أيضاً. 

إنها تركّز حياتها على روتين يسير على النحو التالي: تمارس الريّاضة في الساعة 6 صباحاً،  تقوم بحمية الصيام المتقطع، تتّبع أسلوب حياة صحّي ووجبات مغذّية وغنيّة، تحتفظ بمفكرة خاصّة بها وتمارس التأمّل كما أنّها تقرأ وتعمل بجدّ وتنجح في الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم.  مهما فعلت، ومهما كانت ترتدي، فإنها تبدو رائعة دائماً إلى جانب أنشطتها المستدامة أيضاً.

من منّا لا يريد أن يكون مثلها؟  لكن كونك المشاهد لمقاطع Tiktok  تلك والمدونات المصوّرة قد تشعر بأن عالمها بعيد جداً عن عالمك. على الرغم من أن لديها نمط حياة يستحقّ الثناء كما أنّها تتّبع عادات صحيّة يمكن أن نستفيد منها جميعاً والعديد منّا (بمن فيهم أنا) يستفيدون منها بالفعل، إلا أنّ صيحة “تلك الفتاة” لم تَعُد تعني تنمية الذات وتحولت إلى منافسة بين من يسيطر على مجريات حياته ومن لا يفعل.

@kaylieestewartfocusing on yourself 🧡 #motivation #thatgirl #healthylifestyle #healthylifestylechange #fyp♬ original sound – xxtristanxo

 

View this post on Instagram

 
A post shared by elsa hosk (@hoskelsa)

قد نعتقد أحياناً أنّنا منيعون عن التأثّر بمثل هذه الاتّجاهات الرّائجة والمتقلّبة باستمرار، وأنّنا قادرون على التّعامل معها بدون الكثير من التدّقيق، و لكن في النّهاية نكتشف أنّ تلك الاتجاهات قد اخترقت مساحتنا الخاصّة وانتشرت في كل ركن من كل منصّة. لقد نجحت “تلك الفتاة” وحياتها التي بدت متّزنة ومنظّمة وصحّية وموجّهة نحو العمل في خداعي وإشغال تفكيري بلا هدف، ممّا أدخلني في دوامة وصراع مع نفسي بسبب عذاب المقارنات والتساؤلات غير المنطقية والحسرة على مدينتي التي لم تكن رائعة بما فيه الكفاية للحصول على حليب الصويا العضوي من أجل الماتشا لاتيه إضافة لعدم كون شقة الاستوديو الخاصة بي تشبه صور Pinterest  بما فيه الكفاية، وفي الوقت نفسه نسيت أن الهدف الأوّلي من كل تلك الأفكار كان تحسين الذات والعناية بها.

متى أصبحت ممارسة العناية الذاتيّة شديدة السمية لهذه الدّرجة؟ لقد فشلت وسائل التواصل الاجتماعي في مساعدتنا فعلياً في ممارسة العناية بالنّفس وأرهقتنا لدرجة الشعور أنّنا هزمنا أمام أنفسنا.

كانت عمليّة الرّعاية بالذات رحلة شخصيّة، مليئة بالمحاكمة ممكن أن تتخلّلها بعض الانتكاسات، دون قواعد معينة، بل بعض المؤشّرات والنّصائح الجيّدة التي قد تكون مفيدة لك أو لا تناسبك. ولكن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت العناية الذاتيّة صالحة فقط إن تمت مشاركتها على تلك الوسائل، وكما يعرف الكثير منا الآن، فإن مجرد المشاركة بمحتوى ما على الإنترنت لا تعني أصالته بالضرورة. تجدر الإشارة مرة أخرى إلى أنّ هذه المنصّات لا ترينا أبداً الجانب القبيح للأشياء وتطلعنا على كل شيء بأبهى حلّة بما في ذلك الرعاية الذاتية، ومن ثمّ نتساءل  “لماذا لا أحقق تقدماً مثلها؟”  لأن تقدّمها يتم عرضه من خلال فيديو ممنتج مدّته 15 ثانية على Tiktok يطلعنا على تمرينها، وجلسة التأمل الخاصّة بها، وشربها العصائر الخضراء، وإضاءتها للشموع باهظة الثمن، وكتابة مذكراتها في رداء الحمام الجميل.

هل سيكون من المبالغة القول أنّ هنالك خطأ ما برغبتك في أن تكوني “تلك الفتاة” بدلاً من نفسك؟ لقد قام كل من Tiktok و Instagram بطريقةٍ ما بإلغاء الطّابع الشّخصي تماماً لرحلة اكتشاف الذات والتنميّة الذاتيّة وهو تناقض بحدّ ذاته.

فقد توقفت لدينا عمليّة البحث في النفس والتّعمّق بها وأصبحنا نهتم بالنظر إلى ما يأكله نجمنا المفضّل على وسائل التّواصل الاجتماعي وما يشتريه وما يقرأه. ومجدداً نجد أنفسنا عاجزين عن التفوق على وسائل التواصل الاجتماعي، ففي نهاية الأمر إنّها تعمل دائماً على تغذية نزعتنا الاستهلاكية وإطلاعنا على مجموعة جديدة من الاحتياجات والاهتمامات غير المنطقيّة. فيالَ تلك العادات الجديدة النبيلة!

شارك هذا المقال