تونس ودعمها لفلسطين: بلا حدود ولا قيود

إليكم السبب

بينما تُكتب هذه السطور، ينطلق موكب يحمل مئات التونسيين من قلب الجمهورية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، متجهًا نحو رفح، حيث يقع المعبر الوحيد لقطاع غزة. منذ 9 يونيو، استقلّت هذه القافلة، التي تضم أعضاء من المجتمع المدني، حافلات وسيارات وشاحنات، في خطوة رمزية جريئة لإدانة الحصار المفروض على غزة، والتعبير عن تضامنهم مع سكان القطاع، الذي وصفته الأمم المتحدة مؤخرًا بأنه “أكثر الأماكن جوعًا على وجه الأرض”.

ورغم أن هذه المبادرة البرية لا تتبع رسميًا لائتلاف “أسطول الحرية”—وهو التحرك البحري الذي حمل 12 ناشطًا من أنحاء العالم وتم اعتراضه بشكل غير قانوني من قبل القوات الإسرائيلية هذا الأسبوع—إلا أن تحركها الشعبي حظي بتأييد واسع، مما عزز الدعوات الملحّة لوقف إطلاق نار فوري، وإنهاء كامل للحملة الدموية التي تشنّها إسرائيل على غزة.

أُطلق على المبادرة اسم “صمود”، وهي كلمة عربية تعني “الثبات” أو “الصلابة”، ويمكن تتبع مسارها مباشرة عبر الإنترنت. تمرّ القافلة أولًا عبر ليبيا، ثم تعبر الأراضي المصرية في طريقها لتقديم الإغاثة والدعم الرمزي لسكان غزة. وفي مشهد نادر من التضامن المغاربي، يشارك في القافلة نشطاء من دول أخرى، مثل المغرب والجزائر، متحدين بذلك الانقسامات والتوترات المعتادة، لصالح تدخل شعبي يستعيد كرامة وإرادة سُلبتا من شعوب المنطقة بسبب عقود من النزاع الداخلي.

يقول علي، ناشط فلسطيني بارز يقيم في باريس، لمجلة MILLE: “في وقت يكافح فيه الناس من أجل حرياتهم المدنية، من المؤلم والملهم في آن أن نشهد صعود هذه الحركات الشعبية، التي تضحّي بالقليل الذي تملكه لأجل قضايا أوسع. التاريخ لن يحكم على هذه اللحظة من خلال بيانات المسؤولين، بل بشجاعة من تصرفوا حين فشلت المؤسسات. عندما تعجز الحكومات، تبقى قوة الشعوب هي الوحيدة القادرة على إيقاف هذه الفظائع”.

وفي زمن شابه الصمت أو حتى التواطؤ من قِبل الكثيرين، تتقدم تونس مجددًا الصفوف في دعم القضية الفلسطينية. وقد تبدو فكرة شاحنة مليئة بالمدنيين تشق طريقها نحو فلسطين مفاجِئة للبعض، لكنها في نظر آخرين تمثل امتدادًا طبيعيًا لسلسلة طويلة من المواقف المبدئية، حيث اختارت تونس دومًا الوقوف إلى جانب العدالة، حتى عندما كان الثمن باهظًا، وأحيانًا على حساب مصالحها.

لمن يعرف تاريخ تونس في دعم فلسطين، هناك محطتان بارزتان. الأولى، قرارها التاريخي باستضافة منظمة التحرير الفلسطينية بعد خروجها من لبنان خلال الحرب الأهلية. من عام 1982 حتى 1991، تحولت تونس إلى مركز مؤقت للحياة السياسية الفلسطينية، في خطوة لم تكن مجرد تعبير رمزي، بل موقف سياسي جريء على الساحة الدولية.

المحطة الثانية، وذات صلة بتلك المرحلة، كانت الغارة الجوية الإسرائيلية على حمام الشط في 1985، جنوب العاصمة تونس. الهجوم، الذي استهدف قيادة منظمة التحرير، أسفر عن مقتل ما بين 40 و70 شخصًا، وكان تذكيرًا مؤلمًا بالمخاطر التي تكبدتها تونس بسبب تضامنها. ورغم هذا، واصلت البلاد احتضان المنظمة لست سنوات أخرى بعد الضربة.

حتى اليوم، تواصل تونس احتضان شخصيات فلسطينية بارزة، من بينهم الصحفي أحمد شهاب الدين، ممن وجدوا فيها ملاذًا مؤقتًا، بانتظار عودة مؤجلة إلى وطن لا يزال محاصرًا—في غزة أو في غيرها من الأراضي المحتلة.

وبينما نتابع تقدم قافلة “صمود”، التي وصلت إلى طرابلس بالتزامن مع نشر هذا المقال، نأمل أن تُلهم هذه المبادرة، بغض النظر عن نتيجتها، آخرين للوقوف ضد الظلم. وبينما ننتظر بقية الرحلة، نُحيي كل من صعد إلى تلك الحافلات بينما لا يزال كثيرون، ممن يملكون سلطة التغيير، يرفضون اتخاذ خطوة حقيقية وفعّالة.

شارك(ي) هذا المقال