سلسلة Twilight أقنعتي بأني لست عربية

تنبيه المفسد: أنا عربية

by

كأي طفل نشأ في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد شكّل التلفزيون رؤيتي للعالم وهويتي.

دعوني أشرح لكم.

لم يقتصر الأمر على متابعة شخصيات سلسلتي المفضلة فقط، بل كنت أقع في حبهم وأتوق للعيش في عوالمهم، لدرجة أنّ عقلي يبقى عالقاً في عالمهم الخيالي حتى بعد انتهاء العرض.

مع الأيام بدأت أنسج في مخيلتي صداقات حميمة مع الشخصيات التي أحببتها، وأطلق العنان لنفسي للغوص في عوالم من الأوهام والمحادثات المختلقة، حتى أني اختلقت سيناريوهات كاملة وأعدت تمثيلها كما لو كنت شخصية مثلهم.

عندما تم عرض سلسلة Twilight saga في عام 2009، اخترت الانتماء إلى عائلة كولين، حيث قلدت طريقة كلامهم الهادئة وتقمّصت حياتهم الغامضة. في مرحلة ما، كنت الفرد الثامن في أسرتهم، وقد انضممت إلى مهمتهم في إنقاذ البشر من مصاصي الدماء الأشرار.

مع تقدمي في العمر، وجدت نفسي أحمل بعض سمات الشخصيات التي كنت أهتم بها، كما أصبحت خبيرة في أذواقهم وطريقة كلامهم وتقاليدهم، وهذا هو المكان الذي بدأت تتماهى فيه الخطوط الفاصلة بين كيانهم وكياني.

عندما عرضت قناة MBC Action سلسلة Supernatural في عام 2008، تعلمت من قائدها Dean Winchester اللغة العامية والتعابير الأمريكية. لهذا السبب أمضت شابة تونسية فترة المراهقة وهي تقول لأصدقائها عبارة “give a rat’s ass” وتطلق عليهم لقب “idjits”.

كما تحولت لهجتي الإنجليزية أيضاً من لكنة سكان كوكني التي التقطتها من سلسلة Peaky Blinders إلى اللكنة الاسكتلندية مقلداً جيمس مكافوي، حتى أنني تعلمت قليلاً من اللغة الكورية بعد أن انتشرت الدراما الكورية Boys Over Flowers في المنطقة في عام 2012، وأنا أشكر قناة MBC.

بالرغم من كوني مدركاً للخط الخيالي الذي رسمته بين العالمين اللذين عشت فيهما، إلا أنّ كل المتعة تكمن في الخلط بينهما، كما تكمن المتعة في الهروب من حقيقة أنك مجرد طفل مراهق لم يجد نفسه بعد.

قد تتساءل عما إذا كان السبب الذي جعلني انطوائية يرجع في الواقع إلى عدم رغبتي في الانتماء إلى عالم واحد، بصراحة لم أكن مهتمة باكتشاف ذلك.

لقد علمت أنني لست الوحيدة وأن هناك مصطلحاً يحددني ويحدد الآخرين الذين يعيشون بطريقتي. إنها ظاهرة تسمى “التفاعل ما وراء الاجتماعي”.

توضح دراسة أجراها عالما الاجتماع ريتشارد وول ودونالد هورتون عام 1956 بأنّ هذه الظاهرة هي “نوع من العلاقة النفسية التي يعاني منها الجمهور عند مشاهدتهم الفنانين والمشاهير في وسائل الإعلام، خاصةً على شاشات التلفزيون”.

شعرت بالارتياح لأنني لست الوحيد في ذلك، إذ لا يمكنني أن أكون الوحيد الذي أختبر شيئاً رائعاً جداً كهذا. بالنسبة لي كل عرض أو فيلم جديد تم طرحه يعني ثقافة وبيئة ولغة جديدة تستحق اكتشافها. ولكن مع تقدمي في السن، أصبحت الجوانب السلبية أكثر وضوحاً، حيث أدركت بأنّ الغرب يسيطر على وسائل الإعلام ووجدت بأني كنت أنغمس في عوالم كثيرة باستثناء عالمي الخاص.

كلما تقدمت في العمر، كلما كنت أكثر انفصالاً عن ثقافتي وواقعي، وتدريجياً بدأت في اكتشاف جوانب من العقلية الاستعمارية التي كانت غارقة في داخلي فقط بسبب هذا التفاعل ما وراء الاجتماعي الذي كنت آخذه على محمل الجد. ماذا الذي سيحدث أيضاً في ظل نقص التمثيل العربي والروايات المحلية في التلفزيون؟ 

عندما تخيلت صداقات مع أبطالي في التلفزيون ووقعت في حب هوياتهم، اعتبرت أنّ حياة الأوروبيين والغربيين هي المعيار الذي يجب أن أتطلع إليه، ووجدت نفسي أتوق باستمرار للعيش في الأوساط الاجتماعية الغربية في حين أنني أعيش في بلد عربي.

كلما قابلت شخصاً أجنبياً انتابتني الرغبة في أن نصبح أصدقاء، تماماً كما كنت أفعل مع شخصيات التلفزيون في طفولتي، وكنت أبحث باستمرار عن الأجانب لتحقيق ذلك. عندما أصبحت في العشرين من عمري بدأ هذا الخط الفاصل بين التفاعل ما وراء الاجتماعي والحياة الواقعية بالاندماج لدرجة أنه تلاشى.

كوني لم انسجم مع محيطي منذ طفولتي بات مشكلة حقيقية، أنا لست متعددة الجنسيات ولم أعش في الخارج من قبل، لذا فقد كان من المحتّم أن أتحول إلى شخصية انطوائية.

لم أستطع التواصل مع الآخرين من حولي، أصبح لقاء أشخاص مقتنعين بلون بشرتهم وهويتهم التونسية مصدراً دائماً للاستجواب. في النهاية، ضقت ذرعاً بالشعور بعدم الارتياح للسؤال من أين أتيت وأين أعيش.

آمل ألا يكون قد فات الأوان. بالرغم من أنّها مجرد شخصيات خيالية، إلا أن تبني أذواق الشخصيات التلفزيونية الغربية أدى إلى رفض حقيقي للفنون والثقافة المحلية. كلما تواجدت في دائرة اجتماعية عربية كنت أقلل من شأن الناس من حولي، لطالما قارنت الحياة الواقعية بمعيار التلفزيون الخيالي، كما كنت استمتع بسماع الموسيقى الغربية وليس العربية. 

ذات مرة أحسست بالراحة كوني لست وحدي في تفاعلاتي ما وراء الاجتماعية، واليوم أبحث عن الانتماء مع أولئك الذين يحاربون الذوق العام وجعله نسخة واحدة، وكل ذلك يبدأ بعالمية متوازنة ومتنوعة وليس عولمة لصالح ثقافة واحدة.

شارك هذا المقال