حان الوقت لمناقشة أهمية الإبداع والابتكار على وسائل التواصل الاجتماعي

هذا ما عليكم التفكير به قبل دخول مشهد الإبداع الرقمي

by

بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أثبتت فعاليتها كأداة قوية للفت الانتباه إلى هوية العلامات التجارية وأعمال الفنانين، إلا أنها تحولت تدريجياً إلى بيئةٍ مكررة تفتقر إلى الأصالة والتجدد.

ومع سيطرة الخوارزميات على صفحاتنا وتحكمها بما نراه، سئمنا من مشاهدة نفس المحتوى المفلتر، والذي غالباً ما يغضّ النظر عن المجتمعات المهمشة والمحتوى المتخصص. لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ تصورٍ موحد ونمطي للذوق العام بهدف الترويج لصيحات وأفكار وصور مختارة ومحددة للغاية.

ما هو مصير الإبداع والابتكار في ظل هذه الظروف؟ بالنسبة للمبدعين الذين يلجأون إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمشاركة أعمالهم والوصول إلى الجمهور العالمي، عليهم الآن التركيز على أمور أخرى إلى جانب رغبتهم في التعبير عن ذاتهم، مثل عدد المشاهدات والمتابعين وإمكانية الانتشار.

لمناقشة هذا الموضوع بشكل أعمق، التقينا باثنين من المبدعين العرب، خالد مزينة وهو فنان الرسم وتصميم المنسوجات الإماراتي المصري المقيم في دبي، والمبدعة الكويتية طيبة وهي مُصممة أزياء ومؤسسة مجلة عسل.

 

View this post on Instagram

 
A post shared by Khalid Mezaina (@kmezaina)

إذا كنتم من المبدعين الشباب، تعرفوا إلى ما عليكم التفكير به قبل دخول المشهد الإبداعي على وسائل التواصل الاجتماعي.

إنّ الحاجة الملحة لتقديم محتوى يومي جديد على وسائل التواصل الاجتماعي يؤثر سلباً على إبداعك وجودة عملك، وهو أمر مرهق للغاية.

طيبة: يستغرق العمل الإبداعي المتقن الكثير من الوقت، مما يولد ضغطاً كبيراً مع الحاجة المستمرة إلى إنتاج محتوى يومي على الإنترنت. إن منصتي على وسائل التواصل الاجتماعي هي انعكاس للكثير من التجارب والاختبارات الإبداعية، واكتشفت أنني غالباً ما أشعر بالعجز والإرهاق عندما أرغب في تطوير إحدى أفكاري والتعبير عنها. كما أنّ التفكير في الخوارزمية التي تعاقبك على تأخرك في تقديم محتوى جديد أمر محبط. أعتقد أننا نستحق منصات جديدة ومطوّرة تحفزنا على تقديم عملنا، وتحافظ على نزاهته وتمنحنا التقدير الذي نستحق. 

خالد مزينة: أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي تشتت الانتباه وتأخذ جزءاً كبيراً من وقتي في الاستوديو. لا أعتقد أن الإبداع لمجرد تلبية متطلبات المحتوى الرقمي أمر صحي. لسوء الحظ، أصبح هدف الكثير من المبدعين أن يصبحوا مؤثرين أو مبتكري محتوى. إذا نظر الفنان إلى عمله على أنه مجرد محتوى، فلن يصبح فناناً أبداً.

تعمل وسائل التواصل الاجتماعي بطبيعتها على الترويج للصيحات، لذا قد تجد نفسك ضحيّة محتوى متكرر، بدلاً من تكريس نفسك لابتكار عملٍ أصيل وإبداعي يميّزك عن غيرك.

طيبة: إنني أتعامل مع منصتي على وسائل التواصل الاجتماعي كما لو كانت مفكرة لمراحل عملي الإبداعية وما أنجذب إليه في محطات زمنية مختلفة. وبهذه الطريقة، فإن كل ما أختار نشره على الإنترنت يظل أصيلاً وصادقاً بالنسبة لي أكثر من كونه صيحة. أعتقد أنّ كل ما نعتبره صيحة قابل للتحليل بطريقة مثيرة للاهتمام. بهدف الحفاظ على أصالة أعمالي، فإن القاعدة العامة التي أتبعها عند التنقل بين الصيحات المختلفة هي “إن لم تقم أنت بابتكار الصيحة، فلا تتبعها”.

خالد مزينة: أعتقد أن الاستمرارية والأصالة لا يمكن تحقيقهما إذا اتبعنا الصيحات السائدة على الإنترنت. لقد شاهدت الكثير من الصور التي ابتكرتها مواهب مختلفة ووجدت بينها تشابهاً كبيراً. وبرأيي يجب على كل موهبة أن تسعى للتفرد بدلاً من أن تقع في فخ التكرار، وألا تنحصر الأصالة بشاشة جهازك، افتح دفترك وارسم واقرأ الكتب والصحف والمجلات التي تهمك، واخرج لتستكشف محيطك. خصص وقتاً للابتعاد عن أجهزتك للحصول على منظور جديد يمكن أن يلهم عملك وإبداعك.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by Khalid Mezaina (@kmezaina)

كل شيء يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي تنتهي صلاحيته خلال زمن قياسي؛ حيث ستراه مرة واحدة فقط في صفحتك بسبب الخوارزميات. لا تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي كمساحة وحيدة لمشاركة عملك، بل ابحث دائماً عن وسائل أخرى.

خالد مزينة: نحن نعيش في عالم انخفض فيه مستوى انتباه الفرد وأصبح يبحث فيه عن الصور الجميلة فقط! لقد تحدثت مع أشخاص كل ما يفعلونه هو تصفح منصّاتهم ووضع علامات الإعجاب بالصور دون التركيز على ماهية هذه الصور. وهذا بالتأكيد لا يتناسب مع الطريقة التي أريد أن ينظر بها الناس إلى عملي. لكن يتحتّم علي التواجد على وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل مع الناس ولمشاركة أخباري وأعمالي (لأن معظمهم لا يكلّفون أنفسهم عناء البحث والاستكشاف، ولقد فقدنا هذه المهارة بلا شك). ولكن في محاولةٍ مني للتصدي خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، قمت بإنشاء مدونة وموقع إلكتروني لتخصيص مساحة أكثر استمرارية ولتسهيل الوصول إلى عملي ومشاركته مع الناس.

لا تعتمد على الإعجاب والتعليقات والمشاركات كونها ليست بالضرورة معايير موثوقة لتقييم جودة العمل الإبداعي. وبدلاً من ذلك، اعتمد على رأي النقاد والنقد البناء من أجل التطور والتقدم.

طيبة: إنّ مشاركة المنشورات تشبه لعبة الروليت الروسية، خاصة بالنسبة للمبدعين الناشئين مثلي. لقد كنت ناشطة على وسائل التواصل الاجتماعي منذ أن كان عمري 14 عاماً (منذ حوالي سبع سنوات). ومع الوقت تغير عملي الإبداعي مراتٍ عديدة، ومن المحتمل أن يكون جمهوري مر بهذه المرحلة أيضاً، الأمر الذي يمكن أن يسبب فجوة للعديد من المبدعين على الإنترنت، وهنا يأتي دور النقاد. لقد تطورت نوعية جمهوري وحلّت محل العدد، وأنا أشعر بالرضا عندما اكتشف بأن الأشخاص الذين أحترمهم يقدرون عملي، وأنني قد أنشأت علاقات حقيقية معهم على مر السنين.

خالد مزينة: على كل مبدع أن يتخلص من فكرة تقديم محتوى بهدف الحصول على نسبة مشاهدة أعلى أو حصد عدد كبير من الإعجابات، لأنّ هذا أمر غير صحي. أعترف بأني أتابع عدد الإعجابات ونسبة المشاهدة عندما أنشر شيئاً جديداً على منصتي، إلا أنّ هذا ليس ما أصبو إليه. أعرف أنّ ليس كل ما أشاركه سيحظى بإعجاب أو تقدير الجميع، ولا أعتقد أننا بحاجة دائمة إلى هذا النوع السطحي من الحوار لنشعر بالرضا عن أنفسنا أو العمل الذي نقوم به. أعتقد أن كل محتوى يتم طرحه سيجد الجمهور الخاص به، وهذا ما سيحل أزمة التفاعلات الضحلة مع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي.

إذا كنت صوتاً جديداً له منصة ناشئة، ستواجه تحدياتٍ في جذب الانتباه على وسائل التواصل الاجتماعي خاصةً وأن الشهرة على تلك الوسائل يتم قياسها بأعداد المعجبين والمشاهدات. ولهذا السبب عليك تحقيق الانتشار خارج وسائل التواصل الاجتماعي.

طيبة: نصيحتي هي التواصل مع الناس بقدر ما تستطيع. احرص على الظهور والتعريف بإبداعاتك حتى لو قوبلت بالرفض. لا تخجل من شيء، فقيمة التواصل والخبرة أكبر بكثير من قيمة الأرقام وعدد المشاهدات. انخرط كلياً في عملك وبما تحب، والبقية ستأتي تلقائياً.

خالد مزينة: أعتقد أن التركيز المستمر على الأشخاص الذين لديهم عدد كبير من المتابعين قد أثر بشدة على الأشخاص الآخرين الذين عملوا بجد للتطور في مجالاتهم الإبداعية، كما أنه يتسبب في سلب الفرص من المواهب التي تعمل على نطاق أصغر مع عدد أقل من المتابعين. أقترح العمل خارج وسائل التواصل الاجتماعي. شارك في المكالمات المفتوحة عبر الإنترنت وابحث عن فرص التعاون والمنح وبرامج الإقامة الفنية وطرق أخرى لنشر المحتوى عبر الإنترنت أو المطبوعات الورقية. كلما ابتعدت عن المنصات المعتادة على وسائل التواصل الاجتماعي، كلما زاد عدد الأشخاص من مختلف مناحي الحياة والصناعات الذين سيشاهدون إبداعاتك.

شارك هذا المقال