علينا البدء باتخاذ إجراءات حقيقية لحماية النساء والفتيات العربيات

لترقد روح نيرة أشرف عبد القادر بسلام.

by

أذكر عندما كنت في الرابعة من عمري كيف كان هنالك مجموعة من الفتيان المراهقين والشباب البالغين دائماً ما تجدهم متكئين على جدران المنازل المهجورة والممتدة على جانبي الطرق الترابية في حينا، ينتظرون مرور الفتيات والنساء السائرات وحدهن صدفةً ليوجهوا لهن عباراتهم وإيماءاتهم الفظة والمكروهة.

لقد كنت أخاف من صبي محدد يتراوح عمره بين 12 و 14 عاماً، ورغم كوني طفلة صغيرة إلا أن هذا الصبي كان يتعمد إزعاجي ومضايقتي كلما رآني ألعب لعبة المربعات في الخارج أو أعبر الشارع لجلب ما أرسلتني أمي أو خالاتي لجلبه من دكان الحي. صحيح أنني لم أكن كبيرة بما يكفي لأعرف كيف أربط أنشوطة حذائي إلا أنني كنت واعية بما يكفي لشعوري بالخطر وعدم الراحة تجاه سلوكه وتصرفاته حيث كان يناديني بألقاب غير ملائمة كالـ”قطة” وغيرها والتي كانت تخيفني كطفلة عمرها 4 سنوات.

لقد أعربت عن استيائي لجميع الكبار الذين بإمكانكم أن يستمعوا إلي ويساعدونني، ورغم أنني اشتكيت لكل من والداي وخالاتي وأعمامي وأبناء عمومي الأكبر سناً، إلا أنهم تجاهلوا الأمر جميعاً مؤكدين لي أنه لن يسيء التصرف أو يقوم بإيذائي.

قامت أمي في أحد الأيام بإرسالي أنا وأختي الكبرى التي كانت تبلغ حينها ست سنوات إلى المتجر لشراء الخبز فقد كان من الطبيعي جداً إرسال الأطفال لشراء بعض الحاجيات، وبينما كنا نسير رأيته، وعلى الفور أدركت الخطر المحيط بي وأظن أنه كان يعلم ويشعر بخوفي منه مما يعطيه فرصة أكبر لإخافتي.

ألقيت على الفور كيس البقالة الذي كنت أحمله وركضت بأسرع ما استطاعت قدماي الصغيرتان المرتديتان للصندل أن تأخذاني، لكن ونظراً لاختلاف الحجم والعمر استطاع اللحاق والإمساك بي ليحاول الاعتداء علي بعدها. بدأت بالصراخ بصوتٍ عالٍ وحاولت دفعه بعيداً لكنني كنت عاجزة تماماً.

وبلمح البصر أتت أختي الكبرى وألقت بحجرة كانت قد التقطتها من جانب الطريق لتصيب رأسه مباشرة، ولتكون هذه الضربة كفيلة بأن تلقيه أرضاً كجثة هامدة. كانت هناك فكرة واحدة تدور في أذهاننا أثناء عودتنا للمنزل أننا أقدمنا على قتل شخص ما، لنسرع بحبس أنفسنا داخل إحدى الغرف وانتظار مداهمة الشرطة للمنزل لاعتقالنا بتهمة ارتكاب جريمة قتل من الدرجة الأولى.

في نفس اللحظة تماماً، سمعنا أصوات ضربات قوية تطرق باب منزلنا المعدني الخارجي، ولكن لم يكن الأمر كما اعتقدنا فقد كان طارق الباب هو والدة الصبي الغاضبة التي تطالب بمعرفة ما فعلناه لابنها (ليتضح أننا لم نقتله). تم إخراجنا من مخبئنا واستجوابنا من قبل الكبار، مما دفعنا إلى شرح ما حدث بالتفصيل، ولحسن الحظ، وقفت والدته في صفنا لتلقي كامل غضبها فيما بعد على ابنها.

أجد الآن أنه كان من الممكن تجنب كل ما حدث تماماً كضربنا للصبي والتسبب بتلك الغرزات والقطب، لو أخذ شخص واحد شكواي على محمل الجد. استخدمت “من الممكن” لأنه ربما كان هناك فتاة شجاعة في وقتٍ ما سئمت من مضايقات هذا الصبي ورغبت بالقضاء عليه وقتله فعلياً.

رغم أن قصتي هذه حدثت منذ حوالي 25 عاماً إلا أنه مع الأسف لم يتغير الوضع كثيراً منذ ذلك الحين.

تشابه مصر دولة الجزائر المجاورة لها من حيث سيطرة الجنس الذكوري على المجتمع إضافة لارتفاع معدلات التحرش في الشارع لتحتل المرتبة الأولى في العالم. قد تبدو قصتي في الوقت الحالي بسيطة أو حتى لا تعني شيئاً أمام جريمة القتل الوحشية والمريبة التي طالت الطالبة المصرية نيرة أشرف عبد القادر والتي حدثت في وضح النهار. وهنا نستنتج أننا بحاجة حقاً لاتخاذ إجراءات تستطيع حماية النساء والفتيات أكثر.

عُرف عن نيرة البالغة من العمر 21 عاماً أنها كانت طالبة مميزة في جامعة المنصورة المصرية وكان لا يزال أمامها حياة بأكملها قبل أن تلقى حتفها على يد زميلها أمام أسوار الجامعة في وضح النهار، حيث قام أمام الجميع بطعنها عدة مرات في رقبتها وجذعها وذلك بسبب رفضها له عندما قام بالتقدم إليها.

وتشير التقارير أن عبد القادر سبق وقامت بحظر المشتبه به الملقب بـ”محمد أ” على وسائل التواصل الاجتماعي عدة مرات وذلك بسبب مضايقته لها، كما أن أسرتها قامت بإبلاغ الشرطة عن تهديداته، ولكن مع الأسف لم تنجح كل هذه الإجراءات بحماية الضحية في النهاية.

إن أكثر شيء أزعجني حقاً في هذه القصة هو مدى ارتياح المدعى عليه أثناء قيامه بقتل امرأة بريئة في وضح النهار وأمام المتفرجين وهو محاط بكاميرات المراقبة. يبدو الأمر كما لو أن فشل المجتمع المستمر في حماية النساء ومحاسبة المعتدين هو ما شجعه على فعلته لدرجة أنه اعتقد أنه بإمكانه الإفلات من العقاب.

وقد قام مفكر إسلامي في مصر اسمه مبروك عطية بعد وقت قصير من انتشار خبر مقتل عبد القادر بالإشارة أنه لو كان شعر الضحية وجسدها مغطى ما كانت تعرضت للقتل، وبقدر ما يبدو تصريح مثل هذا مرعباً فلا شك أن مبروك عطية لديه الكثير من المؤيدين لأقواله والذين يعتقدون أن مسؤولية المرأة هي حماية نفسها من التعرض للقتل.

رغم أنه تم اعتقال “محمد أ” في مسرح الجريمة إلا أنه لا يمكنني الشعور بأن العدالة قد تحققت، فكيف يمكن تبرير قتل فتاة صغيرة بريئة من قبل زميلها لمجرد أنها رفضت الزواج منه؟!

أسوأ ما في الأمر أنه لو قامت الشرطة باتخاذ تبليغات الأسرة على محمل الجد أكثر، لربما كانت نيرة عبد القادر على قيد الحياة اليوم.

لقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات حقيقية لحماية النساء، فقد نتمكن من إنقاذ حياتهن حقاً.

شارك هذا المقال