ثلاث قصائد فلسطينية ستبعث في أعماقكم الشعور بالانتماء إلى الأرض

المقاومة والأدب يجتمعان معاً

هناك طرق عديدة ومختلفة للتعبير عن روح المقاومة والنضال، في حين أنّ معظم الناس يجدون أنّ الاحتجاجات أو أعمال الشغب أو المقاطعة طرق ناجعة للتعبير عن التمرد والممانعة، إلا أنها بالتأكيد ليست الخيارات الوحيدة المتاحة، كما أنها ليست مجدية دائماً بالنظر إلى مدى قوة الجهة الظالمة وإنكارها لأبسط حقوق الإنسان.

وعلى هذا الصعيد، ومنذ النكبة في عام 1948 اتخذت المقاومة في فلسطين أشكالاً عديدة ومختلفة من النضال ضد المستوطنين الإسرائيليين، لطالما عانى الفلسطينيون عبر عدة أجيال من الألم والبؤس والفوضى، مما أدى إلى تحول المعاناة التي لا تنتهي إلى رغبة في تفريغ كل هذا الغضب. ولا تقتصر إرادة الأجيال القوية على مناقشة القضية والتحدث عنها فقط، بل تتعدى ذلك لاستخدام الورقة والقلم لتوثيق الأحداث، الأمر الذي يعدّ أداة قوية للتعبير عن مشاعر الاحتجاج والغضب. 

ومن الجدير بالذكر أن تمثيلنا في وسائل الإعلام معيب ومخيب للآمال، كما أنّه مثال للسخرية ويفتقر للدقة في نقل المعلومات، سواء كان هذا الأمر ناجماً عن أحداث 11 سبتمبر، أو الربيع العربي المخزي، أو ببساطة بسبب الاستشراق والتحيز العنصري، غالباً ما يتم تصوير سكان المنطقة على أنهم أناس بربريون غير قادرين على التعبير عن إحباطهم وغضبهم إلا من خلال الاحتجاجات العنيفة والدموية.

وبالرغم من الصورة النمطيّة السائدة عن المجتمع العربي، ومن حقيقة أننا شهدنا بعضاً من أكثر الأحداث فظاعة في العالم واضطرارنا للتعبير عن أصواتنا من خلال بعض الإجراءات المتطرفة، إلا أنّه ينبغي علينا دائماً التذكير بأنّ هذه المنطقة قد أنجبت كتاب وأدباء يمتلكون القدرة على توثيق الحدث والتأثير بشكل كبير على الناس – وهذا يشمل الكتاب الفلسطينيين.

وبالعودة إلى النقطة الرئيسية، دعونا لا ننسى بأنّ الصورة تساوي ألف كلمة، وكما قالت الكاتبة فدوى طوقان، لا يحتاج الأمر سوى قصيدة واحدة لخلق 10 مقاتلين فلسطينيين.

وبهدف التعريف بتأثير الأدب على المجتمعات، تارة من خلال النثر وتارة أخرى من خلال الشعر الحر، نعرض لكم ثلاث قصائد نشرها مؤلفون فلسطينيون تتيح لكم فرصة  قراءة ما بين السطور وفهم العلاقة القوية والوطيدة بينهم وبين أرض الميعاد.

فدوى طوقان

فدوى طوقان – كفاني

     كفاني أموت على أرضها

وأدفن فيها

وتحت ثراها أذوب وأفنى

وأبعث عشباً على أرضها

وأبعث زهرة

تعيث بها كف طفلٍ نمته بلادي

كفاني أظل بحضن بلادي

تراباً

وعشباً

وزهرة

تعتبر فدوى طوقان من أشهر الشعراء العرب المعاصرين، وقد اكتسبت مكانة مرموقة في عالم الأدب وحصدت أعمالها نجاحات دولية كبيرة وحازت على جوائز. ولدت الكاتبة في عام 1917، حيث شهدت الحكم البريطاني وهو يجتاح وطنها لتمهيد الطريق أمام إقامة دولة إسرائيلية وسلطة فلسطينية – وهي تجربة أسهمت في صقل موهبتها وقوة قلمها. قُدمت أعمالها الشعرية من خلال شقيقها إبراهيم طوقان وهو شاعر قومي فلسطيني آخر كان لأعماله أثراً كبيراً في حشد قوة العرب خلال ثورتهم ضد الانتداب البريطاني.

في هذه القصيدة، تحاول فدوى من خلال بعض الأبيات الشعرية تسليط الضوء على جذورها وعلى إيمانها بأنّ الوطن سيبقى دائماً رغم كل ما يحدث. من خلال قصيدة “كفاني” تريدنا الكاتبة أن ندرك أنّه بغض النظر عما يمكن أن يحدث لوطنها، فسيظل دائماً لها ولن يتمكن أحد من انتزاعه منها.

محمود درويش

محمود درويش – في القدس

في القدس، أَعني داخلَ السُّور القديمِ،
أَسيرُ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ بلا ذكرى
تُصوِّبُني. فإن الأنبياءَ هناك يقتسمون
تاريخَ المقدَّس… يصعدون إلى السماء
ويرجعون أَقلَّ إحباطاً وحزناً، فالمحبَّةُ
والسلام مُقَدَّسَان وقادمان إلى المدينة.
كنت أَمشي فوق مُنْحَدَرٍ وأَهْجِسُ: كيف
يختلف الرُّواةُ على كلام الضوء في حَجَرٍ؟
أَمِنْ حَجَر ٍشحيحِ الضوء تندلعُ الحروبُ؟
أسير في نومي. أَحملق في منامي. لا
أرى أحداً ورائي. لا أرى أَحداً أمامي.
كُلُّ هذا الضوءِ لي. أَمشي. أخفُّ. أطيرُ
ثم أَصير غيري في التَّجَلِّي. تنبُتُ
الكلماتُ كالأعشاب من فم أشعيا
النِّبَويِّ: ((إنْ لم تُؤْمنوا لن تَأْمَنُوا)).
أَمشي كأنِّي واحدٌ غيْري. وجُرْحي وَرْدَةٌ
بيضاءُ إنجيليَّةٌ. ويدايَ مثل حمامتَيْنِ
على الصليب تُحلِّقان وتحملان الأرضَ.
لا أمشي، أَطيرُ، أَصيرُ غَيْري في
التجلِّي. لا مكانَ و لا زمان . فمن أَنا؟
أَنا لا أنا في حضرة المعراج. لكنِّي
أُفكِّرُ: وَحْدَهُ، كان النبيّ محمِّدٌ
يتكلِّمُ العربيَّةَ الفُصْحَى. ((وماذا بعد؟))
ماذا بعد؟ صاحت فجأة جنديّةٌ:
هُوَ أَنتَ ثانيةً؟ أَلم أَقتلْكَ؟
قلت: قَتَلْتني… ونسيتُ، مثلك، أن أَموت.

اشتهر محمود درويش بتجسيده للنضال الفلسطيني، ومن خلال تأليف 30 كتاباً شعرياً يعبر درويش عما يكنّه في قلبه وروحه ويحوّل ألمه الناجم عن انتزاع وطنه إلى نثر جميل. لقد ارتبط هذا الناشط بعلاقة حب مثيرة للجدل مع امرأة يهودية من حيفا كانت السبب في إضرام المزيد من العاطفة والاضطراب في حياة الشاعر مما يعكس صعوبة العيش بسعادة ومرح والتمتع بالحب بشكل طبيعي عندما يولد المرء فلسطينياً.

تعتبر “المدينة المقدسة” واحدة من أهم قصائده، حيث يصوّرها كمدينة للحب والسلام من خلال التذكير بانتماء القدس إلى الديانات الإبراهيمية الرئيسية الثلاثة – وهو شعور غير متوافق مع كل الفظاعات التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية.

إبراهيم طوقان

إبراهيم طوقان – موطني

ــوطــنــي مــوطــنــي
الجـلال والجـمال والســناء والبهاء
فـــي ربــاك فــي ربـــاك
والحـياة والنـجاة والهـناء والرجـاء
فــي هـــواك فــي هـــواك
هـــــل أراك هـــــل أراك
سـالما مـنـعـما و غانـما مـكرما
هـــــل أراك فـي عـــلاك
تبـلـغ السـمـاك تبـلـغ السـماك
مــوطــنــي مــوطــنــي

مــوطــنــي مــوطــنــي
الشباب لن يكل همه أن تستقـل أو يبيد
نستقي من الـردى ولن نكون للعــدى
كالعـبـيـــــد كالعـبـيـــــد
لا نريــــــد لا نريــــــد
ذلـنـا المـؤبـدا وعيشـنا المنكـدا
لا نريــــــد بـل نعيــــد
مـجـدنا التـليـد مـجـدنا التليـد
مــوطــنــي مــوطــنــي

موطــنــي مــوطــنــي
الحسام و اليـراع لا الكـلام والنزاع
رمــــــزنا رمــــــزنا
مـجدنا و عـهدنا واجـب من الوفا
يهــــــزنا يهــــــزنا
عـــــــزنا عـــــــزنا
غاية تـشــرف و رايـة ترفـرف
يا هـــنــاك فـي عـــلاك
قاهراً عـــداك قاهـراً عــداك

وكما ذكرنا سابقاً، فإنّ إبراهيم هو شقيق الشاعرة فدوى وهو الذي أخذ بيدها في البداية لدخول عالم الشعر والأدب. وُلد طوقان وترعرع في عائلة حاكمة بارزة في نابلس عام 1905 ، وقد كان لأعماله أثراً كبيراً على الأجيال المتعاقبة، وكان بمثابة صدى للأصوات الفلسطينية الصامتة في مطلع القرن العشرين.

لطالما كانت قصيدة “موطني” إشادة وتذكير بمدى صبر الفلسطينيين وقدرتهم على التحمل وحملهم للسيف والقلم (كرموز لتعبير عن نضالهم) في كل الأوقات ـ وهو ما يثبت بأن القضية الفلسطينية لن تموت إلا بعد أن يجف حبر كل الأقلام.

شارك(ي) هذا المقال